
فن وثقافة
بين همس الجسد وإشراق الكلمة: حين تتنفس الخشبة كيمياء الإبداع بمراكش
- **يوسف بوحجلة
تتلاشى الحدود الفاصلة بين الحركة والرمز، وتستحيل الأجساد جغرافيا ممتدة من الإيحاء والمجاز،
اذ لم تكن الدورة الأولى لـ«ملتقى الجسد والكلمة» بمراكش مجرد حدث عابر في أجندة الثقافة، لكن كانت طقسا إبداعيا فنيا يستقرئ فلسفة الوجود ويعيد صياغة الأسئلة الأزلية حول كينونة الإنسان عبر اللقاء الأزلي بين التعبير الحركي والشعر وبين الجسد كمحرك فيزيائي والكلمة كالطاقة التي تدب فيه وتحرك بنياته وتمثلاثه الزمكنية
في الفضاءات التي احتضنت هذه التجربة الإبداعية، بين جدران المعهد الموسيقي وأروقة المركب الثقافي العربي الكواكبي بالمحاميد، انبعث الإلهام من ثنايا الكلمة لتتحول إلى شحنات حركية تتناغم فيها الأنفاس مع الترددات الصوتية، تحرك الجسد فوق الخشبة كأنه قلم يرسم في الفضاء أبعاد فلسفية، تستنطق الصمت وتمنح البلاغة أفقا حركيا يترجم أعمق الانفعالات الإنسانية
إن الشعار الذي رفعه الملتقى، «حين يتكلم الجسد، ترقص الكلمة»، تجسد كيمياء كونيّة ألغت المسافات واللغات؛ حيث التقت التعبيرات الآتية من التقاليد الفنية لليابان وإيطاليا بالنفس المغربي الأصيل، فأضحت الحركة قصيدة تتلوها الأجساد، وصارت الكلمة المكتوبة والمنطوقة جسدا يتنفس ويتحرك في الفضاء، ليتحقق ويحقق في الأن ذاته ذلك التلاقح الروحي والجمالي الذي يرى في الفنون الأدائية لغة عالمية موحدة
ولم يكن هذا الامتزاج الإبداعي مجرد تجربة بصرية، هو امتداد لغرس معرفي وجمالي يلامس وجدان الناشئة عبر الورشات التفاعلية، ليتأكد ويؤكد دون مواربة ولا شك وبيقين تام أن الفن في عمقه هو إعادة اكتشاف للذات وتحرير للطاقات التعبيرية المكنونة
وهكذا أسدل الستار على الملتقى معلنا بداية مسار يطمح إلى جعل المدينة الحمراء منارة يتجدد فيها ويجدد حوار الجسد والكلمة، ويستمر فيها الفن كفعل استكشاف دائم لأسرار الإنسان والوجود





