تتجاوز ممارسة العلاج بالفن التشكيلي حدود الهواية والتسلية لتستقر بوصفها بروتوكولا مكملا ضمن المنظومة العلاجية الحديثة، حيث تتيح هذه الآلية للذات الإنسانية إعادة تنظيم البنية النفسية عبر وسائط بصرية تجسر الفجوة بين اللاشعور والتعبير الواعي، ويتأسس هذا النهج على استثمار المادة التشكيلية من ألوان وخامات في تفكيك المشاعر المكبوتة وتحويل الألم النفسي إلى منجز مرئي قابل للقراءة والتحليل تحت إشراف متخصصين في الصحة النفسية، ويعتمد العلاج بالفن على تجاوز عجز اللغة اللفظية في صياغة الصدمات والانفعالات الحادة، إذ تمنح الخطوط والأشكال مساراً آخرا لتفريغ الكبت والقلق والتوتر، مما يحول المادة التشكيلية إلى مرآة تساعد المريض على مواجهة خبايا الذات دون الخضوع لضغط التعبير الكلامي المباشر، وتساهم العملية الإبداعية في تحفيز تركيز المريض وإعادة ربطه باللحظة الحاضرة، حيث تؤدي ممارسة الرسم والتلوين إلى تحسين جودة الوظائف الإدراكية وتنظيم المستويات الهرمونية المرتبطة بالتوتر، فضلا عن تعزيز مهارات التواصل داخل الجلسات العلاجية الجماعية وتحويل العزلة إلى تفاعل إيجابي، ويظل هذا الخيار مسارا داعما يتكامل مع العلاج الدوائي والنفسي ولا يحل محله، حيث يعتمد عليه في المستشفيات والمراكز المتخصصة لرفع كفاءة الخطة العلاجية الشاملة وتوفير بيئة داعمة للتعافي المستدام
وفي هذا السياق التطبيقي يندرج الحدث الإبداعي والعلاجي الذي يحتضنه المستشفى الجامعي ابن نفيس بمدينة مراكش، من خلال مركز العلاج النفسي النهاري النسيم وبشراكة مع عدد من الفاعلين، عبر تنظيم فعاليات أيام الصحة النفسية تحت عنوان أيام الصحة النفسية: علم ورفاه وإبداع، والتي ترفع شعار تجارب معاشة مسموعة أصوات حقيقية، تغيير حقيقي، بمساهمة متميزة من الفنان التشكيلي محمد الرجفي، وذلك خلال يومي الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من شهر أكتوبر للسنة الجارية
** يوسف بوحجلة
تتلاشى الحدود الفاصلة بين الحركة والرمز، وتستحيل الأجساد جغرافيا ممتدة من الإيحاء والمجاز، اذ لم تكن الدورة الأولى لـ«ملتقى الجسد والكلمة» بمراكش مجرد حدث عابر في أجندة الثقافة، لكن كانت طقسا إبداعيا فنيا يستقرئ فلسفة الوجود ويعيد صياغة الأسئلة الأزلية حول كينونة الإنسان عبر اللقاء الأزلي بين التعبير الحركي والشعر وبين الجسد كمحرك فيزيائي والكلمة كالطاقة التي تدب فيه وتحرك بنياته وتمثلاثه الزمكنية
في الفضاءات التي احتضنت هذه التجربة الإبداعية، بين جدران المعهد الموسيقي وأروقة المركب الثقافي العربي الكواكبي بالمحاميد، انبعث الإلهام من ثنايا الكلمة لتتحول إلى شحنات حركية تتناغم فيها الأنفاس مع الترددات الصوتية، تحرك الجسد فوق الخشبة كأنه قلم يرسم في الفضاء أبعادا فلسفية، تستنطق الصمت وتمنح البلاغة أفقا حركيا يترجم أعمق الانفعالات الإنسانية
إن الشعار الذي رفعه الملتقى، «حين يتكلم الجسد، ترقص الكلمة»، تجسد كيمياءً كونيّة ألغت المسافات واللغات؛ حيث التقت التعبيرات الآتية من التقاليد الفنية لليابان وإيطاليا بالنفس المغربي الأصيل. أضحت الحركة قصيدة تتلوها الأجساد، وصارت الكلمة المكتوبة والمنطوقة جسداً يتنفس ويتحرك في الفضاء، ليتحقق ذلك التلاقح الروحي والجمالي الذي يرى في الفنون الأدائية لغة عالمية موحدة.
ولم يكن هذا الامتزاج الإبداعي مجرد تجربة بصرية، لكن هو امتداد لغرس معرفي وجمالي يلامس وجدان الناشئة عبر الورشات التفاعلية، ليتأكد أن الفن في عمقه هو إعادة اكتشاف للذات وتحرير للطاقات التعبيرية المكنونة. وهكذا أسدل الستار على الملتقى معلناً بداية مسار يطمح إلى جعل المدينة الحمراء منارة يتجدد فيها حوار الجسد والكلمة، ويستمر فيها الفن كفعل استكشاف دائم لأسرار الإنسان والوجود.