من نحن بيانات قانونية شروط الاستخدام تواصل معنا
مدير النشر: Mohamed Khartouf
الرأي

الاتحاد الاشتراكي في حكومة المنصوري من شرعية التاريخ إلى رهانات الإنجاز

**د.السعيد أخي

لم تعد قيمة الأحزاب السياسية تقاس بقدرتها على رفع شعارات المعارضة أو تسجيل المواقف النقدية فحسب، بل أصبحت تُقاس بالقدر نفسه بمدى قدرتها على المشاركة في تدبير الشأن العام  وصناعة القرار، وتحويل مرجعياتها الفكرية وبرامجها السياسية إلى منجزات ملموسة ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة مشاركة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في الحكومة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري باعتبارها فرصة لتجديد الفعل السياسي، واستثمار الرصيد التاريخي للحزب في خدمة قضايا التنمية والعدالة الاجتماعية

فالحديث عن الاتحاد الاشتراكي لا ينفصل عن تاريخ سياسي ونضالي ارتبط بالدفاع عن الديمقراطية والحداثة الاجتماعية وتوسيع الحريات، كما ارتبط بمحطات مفصلية في تطور التجربة السياسية المغربية. غير أن قيمة هذا الرصيد لا تكمن في استحضاره بوصفه ذاكرة للماضي فحسب، وإنما في القدرة على استثماره لمواجهة تحديات الحاضر، والمساهمة في صياغة أجوبة واقعية عن الأسئلة الاجتماعية والاقتصادية التي تشغل المغاربة.

    إن المشاركة في الحكومة ليست في حد ذاتها، تنازلاً عن المبادئ أو تخلياً عن المرجعية السياسية بل يمكن أن تشكل امتداداً طبيعياً لها متى تحولت إلى أداة للتأثير في السياسات العمومية. فالأحزاب التي تحمل مشروعاً مجتمعياً لا ينبغي أن تحصر دورها في مراقبة القرار من خارجه، بل يمكنها أيضاً أن تتحمل مسؤولية المساهمة في صناعته، والدفاع عن اختياراتها من داخل المؤسسات، وتحويل تصوراتها إلى برامج قابلة للتنفيذ والتقييم.

وتبرز أهمية مشاركة الاتحاد الاشتراكي في إمكانية إغناء النقاش داخل الأغلبية الحكومية، وتعزيز حضور القضايا الاجتماعية في تحديد الأولويات. فالمغرب وهو يواجه تحديات التشغيل والتعليم والصحة وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، يحتاج إلى تعددية سياسية حقيقية داخل المؤسسات، وإلى أحزاب قادرة على تقديم مقترحات عملية، والمساهمة في بناء سياسات أكثر إنصافاً ونجاعة.

ومن شأن هذه المشاركة أن تمنح الحزب فرصة لإعادة وصل جسوره مع المجتمع، واستعادة ثقة فئات تنتظر من العمل السياسي ما يتجاوز الخطاب إلى النتائج. فالمواطن لا يعنيه كثيراً موقع الحزب في خريطة الأغلبية أو المعارضة بقدر ما تعنيه قدرته على الإسهام في تحسين الخدمات العمومية، وتوسيع فرص الشغل، وصون القدرة الشرائية، وتوفير شروط العيش الكريم. ومن هنا، يصبح الحضور الحكومي مسؤولية سياسية وأخلاقية قبل أن يكون مكسباً تنظيمياً أو موقعاً في تدبير السلطة.

كما أن وجود الاتحاد الاشتراكي داخل الأغلبية يفتح المجال أمام تطوير ثقافة سياسية تجعل من الاختلاف رافعة للإصلاح، ومن التنسيق وسيلة لتجويد القرار، ومن الحوار مدخلاً لتجاوز الحسابات الضيقة. فالأغلبية الحكومية ليست مجرد تجميع لمكونات حزبية مختلفة، بل يفترض أن تكون فضاءً لتفاعل المرجعيات والخبرات، بما يسمح بإنتاج حلول تستجيب لحاجات المجتمع وتطلعاته.

ولا يعني الانخراط في العمل الحكومي التخلي عن النقد أو التنازل عن استقلالية القرار الحزبي ، بل إن المشاركة الفاعلة تقتضي وضوح المواقف، والقدرة على الترافع عن الأولويات، والاستعداد لتصحيح الاختلالات كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك. فالمسؤولية لا تتعارض مع النقد البناء، كما أن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى غاية تعطل إمكانات الإصلاح.

إن الرهان الحقيقي أمام الاتحاد الاشتراكي اليوم هو أن يجعل من مشاركته مناسبة لإعادة الاعتبار للسياسة بوصفها فعلاً منتجاً للحلول، وأن يبرهن على أن الأحزاب ذات التاريخ النضالي قادرة على تجديد أدواتها، والتفاعل مع التحولات الاجتماعية، والاستجابة لانتظارات الأجيال الجديدة. فالتاريخ يمنح الشرعية الرمزية، لكنه لا يعفي من استحقاقات الحاضر، ولا يغني عن تقديم حصيلة يمكن للمواطن أن يحكم عليها من خلال أثرها في حياته اليومية.

وفي المحصلة، فإن المشاركة الحكومية تكتسب معناها حين تتحول إلى قوة اقتراح وتأثير وإنجاز، وحين تصبح المرجعية السياسية مدخلاً لتطوير السياسات العمومية، لا مجرد عنوان في الخطاب الحزبي. وعليه  فإن المطلوب من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية هو استثمار موقعه داخل الأغلبية للدفاع عن العدالة الاجتماعية، وتوسيع فرص التنمية، وتقوية الثقة في المؤسسات، والمساهمة في بناء نموذج سياسي يجعل المواطن في صلب الأولويات.

فالمغرب في حاجة إلى أحزاب لا تجعل من المعارضة غاية في ذاتها، ولا من المشاركة هدفاً مستقلاً عن نتائجها، وإنما تتعامل مع السياسة باعتبارها مسؤولية مشتركة في خدمة الوطن. وتلك هي القيمة التي يمكن أن تضيفها مشاركة الاتحاد الاشتراكي  إنها الانتقال من استثمار رصيد الماضي إلى صناعة أثر في الحاضر، ومن شرعية التاريخ إلى استحقاق الإنجاز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى