
مراسلة معرض الجديدة – عبد العزيز برقاش/ عبد الصمد حيم
تتميز الدورة السابعة عشرة لمعرض الفرس بالجديدة، المنظمة خلال الفترة الممتدة إلى غاية 18 أكتوبر 2026، بحضور عربي يعكس غنى التراث الفروسي وتنوع تعبيراته الثقافية والفنية، من خلال مشاركة سلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة، اللتين تحلان ضيفتي شرف إلى جانب تركيا. وتقدم المشاركتان نماذج من العادات والتقاليد المرتبطة بالخيل والفروسية، في مشهد يجمع بين أصالة الموروث الشعبي وحرص الأجيال على صونه ونقله إلى المستقبل.
وتبرز المشاركة العمانية والإماراتية في المعرض من خلال أروقة مخصصة للتعريف بالتراث المحلي، إلى جانب عروض فنية شعبية تستحضر العلاقة التاريخية بين الإنسان والفرس. فمن فن «التحوريب» الذي يقدمه فرسان من سلطنة عمان، إلى إيقاعات «العيالة الإماراتية» التي تؤديها فرقة فنية إماراتية، يجد زوار المعرض أنفسهم أمام تجربة ثقافية تتجاوز عرض الخيول ومستلزمات الفروسية، لتفتح نافذة على جوانب من الذاكرة الجماعية للمجتمعات العربية.
وتستقطب الأروقة المخصصة للبلدين اهتمام الزوار، خصوصاً المغاربة الذين يتعرفون على نماذج من السروج والألجمة والحلي والأزياء التقليدية، بما تحمله من تفاصيل تعكس خصوصية كل ثقافة ومهارات الصناع التقليديين. كما تتيح هذه المعروضات اكتشاف أوجه التشابه والاختلاف بين التقاليد الفروسية العربية، والتعرف على كيفية ارتباط الأدوات والملابس والطقوس الشعبية بتاريخ الخيل ومكانته داخل المجتمع.
سلطنة عمان.. تقاليد فروسية متوارثة

يقدم رواق الخيالة السلطانية العمانية صورة عن خصوصية الفروسية في سلطنة عمان، من خلال عرض مجموعة من الأدوات والمستلزمات التقليدية التي تعكس مهارات الحرفيين وأصالة الموروث المحلي. وتبرز ضمن هذه المعروضات سروج مصنوعة من القطن، وألجمة وصدارات فضية، إلى جانب الخنجر العماني المزخرف، الذي يمثل أحد الرموز المعروفة في الثقافة التقليدية العمانية.
ولا تقتصر أهمية هذه المعروضات على قيمتها الجمالية، بل تكمن أيضاً في قدرتها على تقديم صورة عن العلاقة التاريخية التي جمعت الفارس بفرسه، وعن المهارات التي تطورت عبر الأجيال لتلبية متطلبات الفروسية ومختلف استخداماتها. كما تتيح للزائر التعرف على جانب من الصناعات التقليدية المرتبطة بهذا المجال، وما تتضمنه من تقنيات في صناعة الأدوات وتزيينها والمحافظة على أشكالها الموروثة.
وفي هذا السياق، أوضح العقيد أحمد بن خلفان اللمكي، مدير عام الخيالة السلطانية العمانية، أن هذه المشاركة تتيح التعريف بالخيالة السلطانية ومساهماتها في قطاع الخيل داخل سلطنة عمان وخارجها. وأبرز أن الحضور في معرض الفرس بالجديدة يمثل فرصة لتبادل المعارف والتعريف بالثقافات والفنون المرتبطة بالفروسية ورياضات الخيل، خاصة أن هذه المشاركة تعد الأولى لهذا المكون العماني في التظاهرة.
وتتجاوز المشاركة العمانية الجانب المتعلق بالمعروضات التقليدية، إذ تشمل أيضاً تقديم عروض فروسية يشارك فيها فرسان وفارسات، تستحضر عدداً من الفنون المتوارثة، من بينها «ركض العرضة» و«تنويم الخيل» و«التحوريب». وتعكس هذه الممارسات تنوع التراث الفروسي العماني، وتبرز ما يجمع بين الفروسية والأهازيج الشعبية والتعبيرات الجماعية المرتبطة بالمناسبات التاريخية والاجتماعية.
وأوضح اللمكي أن هذه الفنون ترتبط بالخيل والفرسان، وتحمل دلالات تاريخية وثقافية متصلة بالانتصار والعودة من المعارك والتعبير عن الفرح والشكر. كما أشار إلى أن «التحوريب» يمثل أحد الفنون التراثية القديمة التي يجري الحرص على استمرارها من خلال التدريب ونقل المعارف المرتبطة بها إلى الأجيال المقبلة.
ويبرز «ركض العرضة»، الذي يحظى بمكانة ضمن التراث الثقافي، جانباً من التقاليد العمانية التي تجمع بين مهارات الفرسان والأداء الجماعي، فيما يقدم «تنويم الخيل» و«التحوريب» نماذج أخرى من العلاقة المتوارثة بين الإنسان والفرس، بما تحمله من ممارسات فنية وثقافية تعكس خصوصية المجتمع العماني.
وفي الجانب الرياضي، تشارك سلطنة عمان بثلاثة خيول في مسابقة جمال الخيل العربي ضمن فعاليات المعرض. وأفاد المسؤول العماني، وفق التصريح الوارد في التغطية الصحفية، بأن الخيول المشاركة حققت مراكز متقدمة في المنافسة، وهو ما يضيف بعداً رياضياً إلى المشاركة التي تجمع بين التعريف بالتراث واستعراض الحضور العماني في مجال الخيل.
الإمارات.. فن «العيالة» يستحضر الذاكرة الشعبية

على مقربة من الرواق العماني، تقدم هيئة أبوظبي للتراث وجمعية الإمارات للخيول العربية مشاركة إماراتية تجمع بين الفنون الشعبية والصناعات التقليدية والأزياء التراثية. ويشكل الرواق فضاءً للتعريف بالعادات والتقاليد الإماراتية المرتبطة بالخيل والفروسية، وإبراز ما تحمله من قيم ثقافية واجتماعية توارثتها الأجيال.
وتتقدم عروض «العيالة الإماراتية» برنامج الأنشطة الفنية المقدمة داخل الرواق، حيث تجتمع الإيقاعات والأهازيج والحركات الجماعية في أداء يستحضر مظاهر من التراث الشعبي الإماراتي. ويرتبط هذا الفن في الذاكرة الثقافية الإماراتية بقيم المروءة والفروسية والترحيب بالضيوف، فضلاً عن حضوره التاريخي في الاحتفالات والمناسبات المرتبطة بالنصر.
وقد أدرجت العيالة الإماراتية ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» سنة 2014، بما يعكس قيمتها بوصفها ممارسة ثقافية جماعية تسهم في نقل الذاكرة والتقاليد من جيل إلى آخر.
وتحظى العروض المقدمة داخل الرواق بإقبال من زوار معرض الفرس بالجديدة من مختلف الأعمار، إذ يجد بعضهم في هذه الفنون فرصة للتعرف على الإيقاعات والحركات التقليدية، فيما يشارك آخرون في أداء بعض الرقصات، في تفاعل يحول الفضاء إلى نقطة لقاء بين الثقافة الإماراتية والجمهور المغربي.
وفي تصريح لهسبريس، أوضح محمد بن عمر، عن هيئة أبوظبي للتراث، أن المشاركة الإماراتية تهدف إلى تقديم ملامح من التراث والثقافة الإماراتيين، خاصة العادات والتقاليد المرتبطة بالخيل والفروسية. كما أبرز أن هذه المبادرة تندرج ضمن تعزيز الروابط الثقافية التي تجمع دولة الإمارات العربية المتحدة بالمملكة المغربية، من خلال التعريف بالموروث المشترك وإبراز الخصوصيات الثقافية لكل بلد.
الحرف التقليدية والأزياء.. تفاصيل تحكي تاريخ المجتمعات
إلى جانب العروض الفنية، يتيح الرواق الإماراتي للزوار اكتشاف نماذج من الحرف التقليدية، من بينها حرفة «السدو»، فضلاً عن الحلي والملابس التي تعكس جوانب من الحياة الاجتماعية والثقافية في دولة الإمارات العربية المتحدة.
وتكتسي هذه المعروضات أهمية خاصة لأنها تقدم التراث من خلال تفاصيله اليومية، وليس فقط عبر العروض الاحتفالية. فالأزياء التقليدية، بما تتضمنه من قطع وأشكال مختلفة، تعكس أنماط اللباس التي ارتبطت بالبيئات الاجتماعية والمناسبات الرسمية والشعبية، كما تكشف عن مهارات الحرفيين في اختيار المواد وصناعة الزينة والعناية بالتفاصيل.

ويضم الرواق نماذج من الأزياء التقليدية التي كان يرتديها رجال القبائل، وتتكون من قطع من بينها الحزام والغترة والكندورة والمحزم، إلى جانب نماذج أخرى من اللباس التقليدي المرتبط بالحكام، تشمل الغترة والكندورة والبشت والشطفة والزبون.
ومن خلال عرض هذه المكونات، يسعى الجناح الإماراتي إلى تقديم صورة متنوعة عن التراث المحلي، وإبراز الصلة بين الملابس التقليدية والعادات الاجتماعية والرموز الثقافية التي تميز المجتمع الإماراتي. كما يتيح للزوار فرصة التعرف على جوانب من الصناعات اليدوية التي ساهمت في الحفاظ على الهوية البصرية للموروث الشعبي.
ويشكل الجمع بين الفنون الشعبية والحرف والأزياء والخيل مقاربة متكاملة للتعريف بالتراث الإماراتي، حيث تتكامل المعروضات الثابتة مع العروض الحية لتقديم تجربة ثقافية متعددة الأبعاد، تتيح للجمهور اكتشاف تفاصيل الموروث والتفاعل معه بصورة مباشرة.
معرض الفرس بالجديدة.. فضاء للتبادل الثقافي العربي
تعكس المشاركة العمانية والإماراتية في الدورة السابعة عشرة لمعرض الفرس بالجديدة أهمية التظاهرات الثقافية والرياضية في تعزيز التواصل بين الشعوب، من خلال إبراز الموروثات المشتركة وإتاحة المجال للتعرف على الخصوصيات المحلية. فالفرس، الذي يحتل مكانة بارزة في التاريخ العربي، يشكل نقطة التقاء بين تقاليد الفروسية والرياضات التراثية والفنون الشعبية والصناعات التقليدية.
كما تبرز هذه المشاركة أن الحفاظ على التراث لا يقتصر على عرض الأدوات والأزياء القديمة، بل يشمل استمرار الممارسات المرتبطة بها، وتكوين الأجيال الجديدة، وتوفير فضاءات تسمح للجمهور بالتعرف على أبعادها التاريخية والثقافية. ومن هنا تكتسب العروض العمانية والإماراتية أهمية تتجاوز الجانب الترفيهي، لتصبح وسيلة للتعريف بالذاكرة الشعبية وتعزيز الوعي بقيمتها.
ويمنح حضور سلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب تركيا بصفتها ضيف شرف في هذه الدورة، المعرض بعداً دولياً يعزز تنوع برنامجه ويثري تجربة زواره. كما يتيح هذا الحضور تبادل الخبرات والتجارب في مجالات الفروسية وصون التراث، ويبرز تعدد أشكال التعبير الثقافي المرتبطة بالخيل في المنطقة.
وبين السروج المزخرفة والأزياء التقليدية والأهازيج الشعبية وعروض الخيالة، يقدم معرض الفرس بالجديدة صورة عن تراث عربي متنوع، تتقاطع فيه الذاكرة التاريخية مع الممارسة الفنية والرياضية. وتؤكد هذه المشاركة أن الفروسية ليست مجرد مهارة أو منافسة، بل موروث ثقافي حي يستمد استمراريته من قدرة المجتمعات على الحفاظ عليه وتطوير أساليب تقديمه للأجيال المقبلة.

